حسن الأمين
285
مستدركات أعيان الشيعة
بنتين ، أن انتهي إلى أنه من الجائز أن تكون الثالثة هي التي بقيت حية ، وروت عن عمها « الرضي » كتاب « نهج البلاغة » ، ورواه عنها الشيخ « عبد الرحيم » المعروف ب « ابن الإخوة » . قال صاحب « رياض العلماء » : كانت فاضلة جليلة ، تروي عن عمها « الرضي » كتاب نهج البلاغة ، ويروي عنها الشيخ « عبد الرحيم » البغدادي ، المعروف ب « ابن الإخوة » ، على ما أورده « القطب الراوندي » في آخر شرحه على النهج . هذا ولم يعقب « الرضي » بعد ولده « أحمد » أبي عدنان - الذي تولى النقابة بعد عمه - أحدا ، فانقرض بيت « الرضي » بانقراضه . وفي حدود ما ظهر لي من كتب الأنساب والتاريخ أن عقب « الرضي » انقرض بانقراض ولده « عدنان » وأن عقب المرتضى انقرض بانقراض « أحمد » ابن النسابة صاحب « ديوان النسب » المتقدم ذكره . فلا شاهد لأحد من المعاصرين إذ يرتفع بنسبة إلى الشريف المرتضى . بينه وبين معاصريه في تاريخ « السيد » من المفارقات الطريفة ما لو حاولنا الجمع بينها لاستعصى الأعلى ضرب من التخريج . والملاحظ في هذه المفارقات أنها لم تكتب في تاريخه مباشرة ، وإنما كتبت في تاريخ يتصل به اتصالا ما ، فأنت إذ تقرأ ترجمته في كتب السير ترى ما يشبه الإجماع على علو همة الرجل ، وسمو منزلته ، وترفعه عن الصغائر والدنايا ، بل أنك واجد ما هو أبعد من هذا : واجد نبلا ومروءة ، وإنفاقا على العلم وأهله ، ولكنك إذ تقرأ سيرة أخيه « الرضي » في شرح النهج وغيره واجد - من أجل تصوير ما عليه الرضي من فتاء وأباء - أن « المرتضى » كان ضعيف الهمة ، متضائل النفس ، قد يقابل من جانب الوزراء بالازدراء ، أو بما يشبه الازدراء ، على حين يقابل أخوه « الرضي » بكثير من التعظيم والإجلال . وساسوق لك طرفا من المفارقات العجيبة ، ثم أضع بين يديك ما انتهيت إليه ، من إمكان صحة ما ورد فيها وبطلانه ، لعلى وإياك نقف على الأصل الذي اصطنع هذه المفارقات . 1 - حكى الخطيب « أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي اللغوي » : إن أبا الحسن « علي بن أحمد بن علي الفالي الأديب » ، كانت له نسخة من كتاب « الجمهرة » لابن دريد في غاية الجودة ، فدعته الحاجة إلى بيعها ، فاشتراها « الشريف المرتضى » بستين دينارا ، وتصفحها ، فوجد فيها أبياتا بخط بائعها : أنست بها عشرين حولا وبعتها لقد طال وجدي بعدها وحنيني وما كان ظني أنني سأبيعها ولو خلدتني في السجون ديوني ولكن لضعف وافتقار وصبية صغار عليهم تستهل شئوني فقلت - ولم أملك سوابق عبرة - مقالة مكوي الفؤاد حزين : وقد تخرج الحاجات يا « أم مالك » كرائم من رب بهن ضنين فارجع النسخة إليه وترك الدنانير . ( 1 ) - قرأت بخط « محمد بن إدريس الحلي الفقيه الشيعي » قال : حكى « أبو حامد » أحمد بن محمد الأسفراييني الفقيه الشافعي قال : كنت يوما عند فخر الملك أبي غالب « محمد بن خلف » وزير بهاء الدولة وابنه سلطان الدولة ، فدخل عليه « الرضي » أبو الحسن ، فأعظمه وأجله ، ورفع من منزلته ، وخلى ما كان بيده من القصص والرقاع ، وأقبل عليه يحادثه إلى أن أنصرف . ثم دخل بعده المرتضى أبو القاسم - رضي الله عنه - ، فلم يعظمه ذلك التعظيم ، ولا أكرمه ذلك الإكرام ، وتشاغل عنه برقاع يقرؤها ، وتوقيعات يوقع بها ، فجلس قليلا ، وساله أمرا فقضاه ، ثم انصرف . قال « أبو حامد » : فتقدمت إليه وقلت له : أصلح الله الوزير ، هذا « المرتضى » هو الفقيه المتكلم ، صاحب الفنون ، وهو الأفضل والأمثل منهما ، وإنما « أبو الحسن » شاعر ، قال : فقال : إذا انصرف الناس ، وخلا المجلس أجبتك عن هذه المسألة ، قال : وكنت مجمعا على الانصراف فجاءني أمر لم يكن في الحساب ، فدعت الضرورة إلى ملازمة المجلس إلى أن تقوض الناس واحدا فواحدا ، فلما لم يبق إلا غلمانه وحجابه دعا بالطعام ، فلما أكلنا وغسل يديه وانصرف عنه أكثر غلمانه ، ولم يبق عنده غيري ، قال لخادم له : هات الكتابين اللذين دفعتهما إليك منذ أيام ، وأمرتك أن تجعلهما في السفط الفلاني ، فأحضرهما ، فقال : هذا كتاب « الرضي » ، اتصل بي أنه قد ولد له ، فأنفذت إليه ألف دينار ، وقلت : هذا للقابلة ، فقد جرت العادة أن يحمل الأصدقاء إلى أخلائهم ، وذوي مودتهم مثل هذا في مثل هذه الحال ، فردها ، وكتب إلي هذا الكتاب فاقرأه ، فقرأته - وهو اعتذار على الرد - وفي جملته : « أننا أهل بيت لا يطلع على أحوالنا قابلة غريبة ، وإنما عجائزنا يتولين هذا الأمر من نسائنا ، ولسن ممن يأخذن أجرة ، ولا يقبلن صلة » . قال فهذا هذا . وأما « المرتضى » فإننا كنا قد وزعنا وقسطنا على الأملاك ب « بادرويا » تقسيطا نصرفه في حفر فوهة النهر المعروف « بنهر عيسى » ، فأصاب ملكا « للشريف المرتضى » بالناحية المعروفة « بالداهرية » من التقسيط عشرون درهما ، ثمنها دينار واحد ، قد كتب إلي منذ أيام في هذا المعنى هذا الكتاب ، فاقرأه ، فقرأته ، وهو أكثر من مائة سطر ، يتضمن من الخضوع والخشوع ، والاستمالة والهز ، والطلب والسؤال ، في إسقاط هذه الدراهم عن أملاكه المشار إليها ما يطول شرحه . قال « فخر الملك » : فأيهما ترى أولى بالتعظيم والتبجيل : هذا العالم المتكلم الفقيه الأوحد ونفسه هذه النفس ، أم ذلك الذي لم يشتهر إلا بالشعر ونفسه تلك النفس ؟ فقلت : وفق الله سيدنا الوزير . ( 2 ) هاتان قصتان تتفارقان مفارقة كلية ، تدل أولاهما على نبل « السيد » وسمو روحه ، وتدل الثانية على نفس متخاذلة متهالكة ، لا تحسن في سبيل التوفر على دينار واحد أن تحفظ مقامها الاجتماعي . أما الأولى فلا تكاد تبعد كثيرا عما عرف عن « السيد » من مقام اجتماعي ، وخلق نفسي ، وأما الثانية - وهي التي تبدو ناشزة على سيرة الشريف - فهي التي وعدت أن أضع بين يديك أمر النظر فيها .
--> ( 1 ) ابن خلكان ج 3 ص 6 ط النهضة المصرية سنة 1948 ومرآة الجنان ج 3 ص 506 ط حيدرآباد وشذرات الذهب ج 3 ص 258 . ( 2 ) ابن أبي الحديد ج 1 ص 13 .